محمد بن جرير الطبري

83

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

القراءة بها . وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ يقول تعالى ذكره : وخافوا الله أيها الناس بأداء فرائضه عليكم في الإصلاح بين المقتتلين من أهل الإيمان بالعدل ، وفي عير ذلك من فرائضه ، واجتناب معاصيه ، ليرحمكم ربكم ، فيصفح لكم عن سالف إجرامكم إذا أنتم أطعتموه ، واتبعتم أمره ونهيه ، واتقيتموه بطاعته . القول في تأويل قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ . . . بِئْسَ الِاسْمُ . . . هُمُ الظَّالِمُونَ هجاء المؤمن يقول تعالى ذكره : يا أيها الذين صدقوا الله ورسوله ، لا يهزأ قوم مؤمنون من قوم مؤمنين عَسى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ يقول : المهزوء منهم خير من الهازئين وَلا نِساءٌ مِنْ نِساءٍ يقول : ولا يهزأ نساء مؤمنات من نساء مؤمنات ، عسى المهزوء منهن أن يكن خيرا من الهازئات . واختلف أهل التأويل في السخرية التي نهى الله عنها المؤمنين في هذه الآية ، فقال بعضهم : هي سخرية الغني من الفقير ، نهي أن يسخر من الفقير لفقره هجاء المؤمن . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء جميعا ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ هجاء المؤمن قال : لا يهزأ قوم بقوم أن يسأل رجل فقير غنيا ، أو فقيرا ، وإن تفضل رجل عليه بشيء فلا يستهزئ به . وقال آخرون : بل ذلك نهي من الله من ستر عليه من أهل الإيمان أن يسخر ممن كشف في الدنيا ستره منهم هجاء المؤمن ذكر من قال ذلك : حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلا نِساءٌ مِنْ نِساءٍ عَسى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ هجاء المؤمن قال : ربما عثر على المرء عند خطيئته عسى أن يكونوا خيرا منهم ، وإن كان ظهر على عثرته هذه ، وسترت أنت على عثرتك ، لعل هذه التي ظهرت خير له في الآخرة عند الله ، وهذه التي سترت أنت عليها شر لك ، ما يدريك لعله ما يغفر لك ؛ قال : فنهي الرجل عن ذلك ، فقال : لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وقال في النساء مثل ذلك . والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال : إن الله عم بنهيه المؤمنين عن أن يسخر بعضهم من بعض جميع معاني السخرية ، فلا يحل لمؤمن أن يسخر من مؤمن لا لفقره ، ولا لذنب ركبه ، ولا لغير ذلك هجاء المؤمن . وقوله : وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ يقول تعالى ذكره : ولا يغتب بعضكم بعضا أيها المؤمنون ، ولا يطعن بعضكم على بعض ؛ وقال : لا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ هجاء المؤمن فجعل اللامز أخاه لامزا نفسه ، لأن المؤمنين كرجل واحد فيما يلزم بعضهم لبعض من تحسين أمره ، وطلب صلاحه ، ومحبته الخير . ولذلك روي الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " المؤمنون كالجسد الواحد فإذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر جسده بالحمى والسهر " . وهذا نظير قوله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ بمعنى : ولا يقتل بعضكم بعضا . وبنحو الذي قلنا في معنى ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء جميعا عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، في قوله : وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ قال : لا تطعنوا . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ يقول : ولا يطعن بعضكم على بعض . حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن قتادة ، مثله . حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سجد ، عن ابن عباس ، قوله : وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ يقول : لا يطعن بعضكم على بعض . قوله : وَلا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ يقول : ولا تداعوا بالألقاب هجاء المؤمن ؛ والنبز واللقب بمعنى واحد ، يجمع النبز : أنبازا ، واللقب : ألقابا . واختلف أهل التأويل في الألقاب التي نهى الله عن التنابز بها في هذه الآية ، فقال